1 تاريخ المدينة
عادة ما ينسب تأسيس مدينة وجدة للزعيم المغراوي زيري بن عطية الذي استطاع أن يؤسس مملكة في المغرب الأقصى وكان في صراع مفتوح مع المنصور بن أبي عامر في الأندلس، والفاطميين وأنصارهم من الصنهاجيين في المغرب الأوسط. في هذه الظروف السياسية الصعبة، فإن زيري بن عطية -وحسب أغلب الروايات التاريخية- فكر في ضرورة توسيع مملكته شرق عاصمته فاس وحماية ظهره من كل الأخطار المحدقة به من الناحية الشرقية، لهذا قرر بناء مدينة وجدة في شهر رجب سنة 384 هـ / 994 م. وقد قام بتحصين المدينة عبر إحاطتها بالأسوار العالية والأبواب التي كان يتحكم الحراس في فتحها وإغلاقها. وظلت مدينة وجدة تتأثر بموقعها الحدودي طيلة تاريخها الذي يتجاوز ألف سنة. وظهر هذا جليا بعد الاستعمار الفرنسي للجزائر، فقد كان على مدينة وجدة وساكنتها احتضان المقاومة الجزائرية ودعمهم بالمال والسلاح خاصة على عهد الأمير عبد القادر الجزائري. وقد اقتنعت فرنسا أن مدينة وجدة هي الحلقة الأولى لاحتلال المغرب والسيطرة على الشمال الإفريقي والقضاء على القواعد الخلفية للمقاومة الجزائرية. فقامت بالضغط على المدينة بدعوى ملاحقة العناصر الثائرة ضد فرنسا، مما جعلها تدخل في حرب مع المخزن المغربي في معركة إسلي عام 1844 م والتي انتهت بهزيمة كبيرة للمغاربة. وأجبرت فرنسا المغرب على توقيع معاهدة للا مغنية في نفس السنة، وكان من أهم بنودها رسم الحدود بين الدولة المغربية والجزائر المستعمرة. فتم الاتفاق على أن تمتد الحدود من قلعة عجرود (السعيدية حاليا) إلى ثنية الساسي، وبقيت المناطق الجنوبية دون تحديد للحدود بدعوى أنها أراضي خالية لا تحتاج إلى رسم وتوضيح للحدود.
2 سكان المدينة
ظلت المدينة لفترات طويلة مقرا لاستقرار قبائل زناتة، ثم القبائل العربية التي وفدت على المدينة مع بداية الفتح الإسلامي للبلاد. بدخول فروع قبائل بني هلال، التي سيطرت على المنطقة لفترات عديدة خلفت صراعات كبيرة بسبب الفوضى والاضطرابات الدائمة مع سلاطين المغرب بدأً من الموحدين و إنتهائا بالعلويين، عرفت المنطقة تنقلات و نزوح للقبائل الاخرى بسبب قوة عرب هلال.
البكري و البيذق أقدم إشارتين وردتا بصدد ساكنة وجدة، لكن البكري لم يحدد بشكل واضح الاثنيات المكونة لحضريي وجدة بل اقتصر على وصف اثر النعمة على أجسامهم. كما ذكر البيذق أسماء بعض أعيان وجدة و ألحقهم بمناطقهم الأصلية او بقبائلهم كسوس أو بني يرنيان، و المعروف حسب ابن خلدون أن المنطقة و قبل بناء المدينة كانت مجالا لقبائل زناتة بكل فروعها من جراوة و بني ورتغنين و يرنيان و بني يزناسن و وجديجة و غيرها. و يحسب بعضهم أن زناتة وفدت على بلاد المغرب حوالي القرنين الرابع و الخامس الميلادي و هي فترة صادفت انتشار البداوة كنمط حياة في الشمال الإفريقي. كما أن العنصر الزناتي كان من أول العناصر التي استقرت بمدينة وجدة أثناء تأسيسها من قبل زيري بن عطية حيث نقل إليها هذا الأخير أهله الزناتيين بالإضافة إلى عدد من أفراد جيشه و عساكره للسهر على امن المدينة.
المصادر العربية تتحدث عن ساكنة عربية وفدت مع الهجرات العربية الأولى و الثانية. كما أن موقع مدينة وجدة في موسطة الطرق التجارية جعلها تعرف عنصرا بشريا آخر هو العنصر الأسود الذي ربما وفد مع تجارة السودان عبر سجلماسة فوجدة. و تذكر بعض المصادر أن أسرة ذات أصول شريفة أوجدت لنفسها أماكن خاصة بين سكان أحياء المدينة. كما أن وجود بعض العادات و الأسماء التركية مثل عائلة التريكي قد تكون مؤشرا على استقرار بعض العائلات من الأتراك بالمدينة زمن دخولهم إلى وجدة.
2.1 تطور أعداد سكان وجدة
عمل زيري بن عطية بعد تأسيس مدينة وجدة سنة 384 ه/994 م على نقل أهله و بعض ذويه و جيوشه إليها للاستقرار بها. و لم تفد المصادر المعتمدة إلى عدد السكان الذين استقروا بمدينة وجدة بعد تأسيسها. إلا أن الحركة التجارية كانت نشيطة بمدينة وجدة ابتداء من القرن الخامس الهجري/11 م مما أدى بدون شك إلى ارتفاع عدد السكان و هو ما نتج عن عملية توسيع رقعة مدينة وجدة بإضافة شطر آخر لها على يد يعلى بن بلجين الوتغنيني في منتصف القرن الخامس الهجري/11 م فأصبحت وجدة بذلك مدينتين.
مدينة وجدة عرفت ابتداء من الفترة المذكورة و إلى حدود سنة 670 ه/1237 م نموا ديموغرافيا مطردا بحيث وصل عدد سكانها خلال تلك المرحلة 5000 نسمة. و رغم كبر حجم هذا العدد بالنسبة لمدينة كوجدة في الفترة المذكورة إلا انه يبقى ضئيلا مقارنة مع سكان مدن أخرى من المغرب آنذاك و من ذلك مثلا مدينة تاوريرت التي بلغ عدد سكانها في نفس الفترة 15000 نسمة. و هو ما يعني أن سكان تاوريرت كان أكبر بثلاثة أضعاف من عدد سكان وجدة .
أضف إلى ذلك أن عدد سكان وجدة تراجع كثيرا اثر التهديم الكلي الذي طال المدينة على يد أبي يوسف يعقوب المريني سنة 670 ه/1272 م.
2.2 بعد إعادة بناء المدينة في عهد المولى إسماعيل
استمر سكان مدينة وجدة في التناقص بكثير و زاد من حدة ذلك الأحداث السياسية والعسكرية الهامة التي عرفها شرق المغرب و مدينة وجدة خاصة طيلة. بعد وفاة المولى إسماعيل عرف المغرب أحداثا سياسية صعبة انتهى الأمر بمدينة وجدة إلى الدخول تحت سيطرة الأتراك العثمانيين بالجزائر. و اضطر سكان وجدة إلى الهجرة لدرجة أصبح عدد السكان بها في بداية القرن 13 ه/19 م لا يتجاوز 500 نسمة.
2.3 الاستعمار الفرنسي
مع دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر تغيرت الظروف السياسية و الأمنية في المدن المجاورة لمدينة وجدة و المحادية لها من جهة الشرق خاصة. فتوافد عليها عدد من العائلات الجزائرية هروبا من نيران المستعمر الفرنسي مما ساهم في الرفع من ساكنة وجدة بحيث كان عدد السكان سنة 1844 م 4000 او 5000 نسمة. و لما دخل الفرنسيون إليها سنة 1907 م لم يكن يتجاوز عدد السكان 6000 نسمة و هو ما يؤكد تباطؤ النمو الديموغرافي بالمدينة.
كانت غالبية السكان بوجدة من البربر (بني ازناسن و بني سنوس و ندرومة و هي كلها قبائل زناتية. و إلى جانب هذه الأغلبية البربرية هناك أقلية صغيرة ممن يحسنون العربية و عناصرها في الغالب من قبائل أنكاد العربية. تكونت بوجدة أربعة أحياء رئيسية و هي أهل وجدة و أولاد عمران و أولاد عيسى و أولاد الكاضي و هي من أقدم أحياء مدينة وجدة ومن أهمها من حيث سكانها. و إلى جانب هذه الأحياء توجد أحياء أخرى احدث من الأولى و اقل أصالة و هي: اشقفان و أهل الجامل و الطائفة اليهودية بينما فضل عرب هلال البقاء في البادية حتى خروج المستعمر الفرنسي.
3 جغرافية المدينة
تقع المدينة في منبسط سهل أنكاد الذي يتميز بمعطيات مناخية تجعله قريبا من المناخ الصحراوي. إذ لا تتجاوز فيه التساقطات 150 مم في أحسن المواسم المطرية. كما أن درجة الحرارة ترتفع فيه خاصة في الفصل الحار الصيف لتتجاوز 40 درجة. لكن رغم هذه الوضعية الطبيعية القاسية، فإن الكتب التاريخية والجغرافية التي اهتمت بالمدينة تصفها بكونها ذات منتوجات متنوعة وبساتين ممتدة وثروة حيوانية وافرة. ولا شك أن هذا الغنى الطبيعي لهذه المدينة مرده للفرشة المائية الكبيرة جدا والتي كانت إلى عهد قريب ذات مستوى سطحي، فانبثقت عنها عدة عيون مثل عين طايرت وواحة سيدي يحي وعدة عيون في بوشطاط وواد إسلي.
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
رواق الصور

0 التعليقات:
إرسال تعليق